الشيخ محمد هادي معرفة

156

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

كالطير له ريش ، فإذا زنى قعد ليس له ريش . ورووا مثل هذا عن عليّ رضي الله عنه وعن مجاهد ، وعن سعيد بن جبير . ورووا أيضا في البرهان الذي رآه ، ولولاه لوقع في الفاحشة بأنّه نودي : أنت مكتوب في الأنبياء ، وتعمل عمل السفهاء ، وقيل : رأى صورة أبيه يعقوب في الحائط ، وقيل : في سقف الحجرة ، وأنّه رآه عاضّا على إبهامه ، وأنّه لم يتّعظ بالنداء ، حتّى رأى أباه على هذه الحال . بل أسرف واضعو هذه الإسرائيليّات الباطلة ، فزعموا أنّه لمّا لم يَرْعَوِ من رؤية صورة أبيه عاضّا على أصابعه ، ضربه أبوه يعقوب ، فخرجت شهوته من أنامله ! ولأجل أن يؤيّد هؤلاء الذين افتروا على اللّه ونبيّه يوسف هذا الافتراء ، يزعمون أيضا : أنّ كلّ أبناء يعقوب قد ولد له اثنا عشر ولدا ما عدا يوسف ، فإنّه نقص بتلك الشهوة التي خرجت من أنامله ولدا ، فلم يولد له غير أحد عشر ولدا . بل زعموا أيضا في تفسير البرهان ، فيما روي عن ابن عبّاس : أنّه رأى ثلاث آيات من كتاب اللّه : قوله تعالى : « وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ » « 1 » ، وقوله تعالى : « وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ » « 2 » ، وقوله تعالى : « أَ فَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ » « 3 » ، وقيل : رأى « وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا » « 4 » ! ! ومن البديهيّ أنّ هذه الآيات بهذا اللفظ العربيّ لم تنزل على أحد قبل نبيّنا محمّد صلى الله عليه وآله وسلم وإن كان الذين افتروا هذا لا يعدمون جوابا ، بأن يقولوا : رأى ما يدلّ على معاني هذه الآيات بِلُغَتهم التي يعرفونها ، بل قيل في البرهان : إنّه أُري تمثال الملك ، وهو العزيز ، وقيل : خياله « 5 » . وكلّ ذلك مرجعه إلى أخبار بني إسرائيل وأكاذيبهم التي افتجروها على اللّه ، وعلى رسله ، وحمله إلى بعض الصحابة والتابعين : كعب الأحبار ، ووهب بن منبّه ، وأمثالهما .

--> ( 1 ) - . الانفطار 10 : 82 و 11 . ( 2 ) - . يونس 61 : 10 . ( 3 ) - . الرعد 33 : 13 . ( 4 ) - . الإسراء 32 : 17 . ( 5 ) - . تفسير الطبريّ ، ج 12 ، ص 108 - 114 ؛ الدرّ المنثور ، ج 4 ، ص 13 و 14 ؛ تفسير ابن كثير ، ج 2 ، ص 474 و 475 ؛ تفسير البغويّ ، ج 2 ، ص 484 - 486 .